محمد بن جرير الطبري
599
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فينا ويقول : أبشروا عباد الله بكرامة الله ورضوانه ، فحق والله لمن ليس بينه وبين لقاء الأحبة ودخول الجنة والراحة من ابرام الدنيا وأذاها الا فراق هذه النفس الإمارة بالسوء ان يكون بفراقها سخيا ، وبلقاء ربه مسرورا ، فمكثنا كذلك حتى أصبحنا ، وأصبح ابن نمير وأدهم بن محرز الباهلي في نحو من عشره آلاف ، فخرجوا إلينا ، فاقتتلنا اليوم الثالث يوم الجمعة قتالا شديدا إلى ارتفاع الضحى ثم إن أهل الشام كثرونا وتعطفوا علينا من كل جانب ، ورأى سليمان بن صرد ما لقى أصحابه ، فنزل فنادى : عباد الله ، من أراد البكور إلى ربه ، والتوبة من ذنبه ، والوفاء بعهده ، فإلى ، ثم كسر جفن سيفه ، ونزل معه ناس كثير ، فكسروا جفون سيوفهم ، ومشوا معه ، وانزوت خيلهم حتى اختلطت مع الرجال ، فقاتلوهم حتى نزلت الرجال تشتد مصلته بالسيوف ، وقد كسروا الجفون ، فحمل الفرسان على الخيل ولا يثبتون ، فقاتلوهم وقتلوا من أهل الشام مقتله عظيمه ، وجرحوا فيهم فأكثروا الجراح فلما رأى الحصين بن نمير صبر القوم وبأسهم ، بعث الرجال ترميهم بالنبل ، واكتنفتهم الخيل والرجال ، فقتل سليمان بن صرد رحمه الله ، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع ، ثم وثب ثم وقع ، قال : فلما قتل سليمان بن صرد أخذ الراية المسيب بن نجبه ، وقال لسليمان بن صرد : رحمك الله يا أخي ! فقد صدقت ووفيت بما عليك ، وبقي ما علينا ، ثم أخذ الراية فشد بها ، فقاتل ساعة ثم رجع ، ثم شد بها فقاتل ثم رجع ، ففعل ذلك مرارا يشد ثم يرجع ، ثم قتل رحمه الله . قال أبو مخنف : وحدثنا فروه بن لقيط ، عن مولى للمسيب بن نجبه الفزاري ، قال : لقيته بالمدائن وهو مع شبيب بن يزيد الخارجي ، فجرى الحديث حتى ذكرنا أهل عين الورده . قال هشام عن أبي مخنف ، قال : حدثنا هذا الشيخ ، عن المسيب بن نجبه ، قال : والله ما رايت أشجع منه إنسانا قط ، ولا من العصابة التي كان فيهم ، ولقد رايته يوم عين الورده يقاتل قتالا شديدا ، ما ظننت ان